سيلفيا كاتوري

Français    English    Italiano    Español    Deutsch    عربي    русский    Português

د. ناديا خوست
الإرهاب باسم الديمقراطية

وقت تحضير غزو العراق هدد بوش العالم: "إما معنا أو ضدنا"! لاتزال هذه الديكتاتورية الفظّة تستخدم اللغة نفسها باسم نشر الديمقراطية. أليس ذلك مايعنيه اشمئزاز سفيرة الولايات المتحدة من الفيتو الروسي والصيني؟ لاحق حتى لدول كبرى كالصين والاتحاد الروسي في رؤية مختلفة عن الرؤية الأمريكية الغربية! أما ساركوزي فلا يعترف إلا بقرار غربي يشرّع التدخل في سورية. وإلا فإنه سينظم تجمعا خارج مجلس الأمن للتدخل في سورية!

12 شباط (فبراير) 2012


في سياق
هذه "الديمقراطية" حدد المشروع الغربي مواصفات الدولة السورية التي يريد أن يصنعها. 1 - لم يشترط انتخابات نيابية تكشف من يقبله المواطنون السوريون ومن يرفضونه. مع أن قانون الانتخاب الجديد ثبّت حق ممثلي المرشحين في حراسة صناديق الأصوات من بداية التصويت حتى فتح الصناديق. 2 - لم يبال بملايين السوريين الذين تظاهروا في سورية وصرخوا: لاللتدخل! ويعرف من تابع تلك المظاهرات أنها رد السوريين على المشروع الغربي الخليجي، وعلى العصابات المسلحة. ويلاحظ أن ربات البيوت شاركن في المظاهرات بحماسة. تجاهل السياسيون الغربيون قرار الشعب السوري، وتعاموا عن العصابات المسلحة حتى بعد أن سجل مراقبو الجامعة العربية جرائمها.
بداء من هذه "الديمقراطية" ضرب جماعة مجلس استنبول في القاهرة، بالعصي، وفد الفنانين والمثقفين، ووفد المعارضة السورية الداخلية، قبل دخولهم إلى الجامعة العربية. لأن الوفدين يرفضان التدخل الخارجي في الشؤون السورية. وليلة اجتماع مجلس الأمن لبحث الملف السوري هاجموا السفارات السورية في القاهرة والكويت وأثينا وعمان وبرلين ولندن وكسروا أو سرقوا مافيها، وضربوا العاملين فيها. ماأبلغ هذا التعبير عن "الديمقراطية"!

على كل حال، كيف استنبت هؤلاء "الديمقراطيون"؟ لم يسمع الشارع السوري أصواتهم قبل الأحداث. أما نحن في الداخل فانتقدنا نهج اقتصاد السوق، وشخصياته، ونبهنا إلى اتصال السياسة بالاقتصاد وعلاقة الموقف الوطني السياسي بحقوق الناس. ونبهنا إلى نتائج الخصخصة الخطرة. وأكدنا أن السلامة الوطنية تفترض حماية القطاع العام, وذكّرنا برجل الاقتصاد البورجوازي الوطني خالد العظم، الذي سعى في خمسينيات القرن الماضي إلى تأسيس قطاع عام قوي بمساعدة الاتحاد السوفييتي. وانتقدنا علنا الوصاية التي يمارسها بعض المسؤولين وخاصة محافظو المدن، وحاربنا استملاك بيوت الناس. لكننا بعد تلك المؤتمرات والمقالات والندوات كنا نعود إلى بيوتنا آمنين ولو في منتصف الليل. كنا نحضر المسرحيات والأمسيات الثقافية، ونتنقل بالسيارة بين دمشق وحلب واللاذقية، ونطلب الماء النقي من نبع بقين والسفرجل والتفاح في الزبداني. اليوم، بفضل المشروع الغربي القطري للديمقراطية، لايستطيع المواطن السوري السفر بالسيارة إلى حلب، لأن قطاع الطرق المسلحين يهاجمون السيارات بالرصاص. وقد يكون مصير الركاب مصير عمال النسيج الذين فجّر بهم الباص بعبوة ناسفة في إدلب. أو مصير عمال النفط الذين قتلتهم عصابة مسلحة بالرصاص في حمص. أو مصير سائق سيارة الإسعاف الذي قتل في الرستن. أو مصير الطبيب الذي خطف في حماة. فأي مواطن سوري يمكن أن يُقتل كي يصوره رجال "الديمقراطية" ويقبضوا من قطر أو السعودية ثمن الصورة التي تبثها الجزيرة والعربية.

لم تعرف سورية رخص الإنسان إلى هذا الحد من قبل! يريد الغرب وخدمه الخليجيون أن يخلصونا من الديكتاتورية؟ لماذا إذن لم نكن نعرف الخوف، وكنا نسرح من دمشق إلى اللاذقية، وكان طريق بلودان يزدحم بالناس في نزهات يوم الجمعة، وكان الناس يقصدون الغوطة في أيام زهر الدراق، ويَعلقون أحيانا في الزحمة على طريق اللاذقية دمشق؟ لماذا أتت هذه "الديمقراطية" بالخوف من العبوات الناسفة، ومنعت نزهات أيام العطلة، ونشرت الرعب من الطريق قرب تلكلخ حيث يمكن أن تنقض عصابة من مهربي السلاح على المسافرين؟ لماذا فرغت فنادق الشاطئ، وطرقات الغابات السورية، ولم نعد نوشّي الليل بسهراتنا؟ حتى في حيّ المزة الآمن فككت أمس سيارة ملغمة!

من يجسر أن يخالف العصابات حيث تنشر سيطرتها؟ كم صاحب مخزن في ريف دمشق قتل لأنه رفض أن يغلق مخزنه ليبدو مشاركا في إضراب ضد النظام؟ أمامنا على الشاشات اولئك الذين ينفذون بالسلاح المشروع "الديمقراطي" الخليجي الغربي في سورية. هذا مثلا لبناني كان يعمل في تهريب البضائع إلى سورية. أصبح عاطلا عن العمل بسبب الأزمة الاقتصادية. اقترح عليه صاحبه اللبناني أن يهرّب الأسلحة والمخدرات إلى سورية، فهرّب ثلاث وجبات منها لقاء عشرين ألف ليرة، فقط! مجال التفكير واسع في انحطاط الإنسان بالفقر والجهل ليصبح آلة قاتلة أو كتلة حقودة. وللتأمل في المال الخليجي الذي كان يمكن أن ينقذ هذه الشريحة الاجتماعية الرثّة بمشاريع منتجة. مع ذلك، لامجال للخطأ، فهذه العصابات ليست جيش تحرير يضحي بالنفس في سبيل الوطن. بل عصابات من المجرمين والمرتزقة. وهل حدث أن هزج جيش تحرير وهو يقطع أطراف الضحية أو يلقي ضحاياه في نهر العاصي مذبوحين مبللين بدمائهم؟! هل سجل التاريخ أن جيش تحرير وطني نسف القطارات، وأنابيب نقل النفط والغاز، ودمر شبكات الكهرباء، وأحرق المؤسسات التي دفع ثمنها الشعب، وسطا على السيارات التي تنقل السكر والرز والمازوت للناس؟! هل حدث أن خطف جيش تحرير أشخاصا ليطلب فدية؟! هل حدث أن قصد جيش تحرير اغتيال المختصين من أطباء وعلماء وأساتذة جامعيين؟! هل مول أمراء وملوك مستبدون في التاريخ جيش تحرير وطني؟! وهل يقبل العقل أن يزوّد جيش تحرير عربي بأسلحة إسرائيلية؟! وأن تجند قنوات تلفزيونية ملكية واستعمارية لتصوير المجرمين جيش تحرير؟! طلب رضوان زيادة، أحد أعضاء مجلس استنبول، "إدراج الملف السوري تحت البند السابع". فهل عرفت حركات التحرير في العالم أن قادتها طلبوا التدخل العسكري في بلادهم، أم أسست حركات التحرر لمنع التدخل؟!

إذن، ليس الخلاف على الديمقراطية بين سورية وبين السياسيين الغربيين وواجهتهم السورية. فمن يسند الأنظمة الخليجية الاستبدادية، ويغزو ليبيا، ويرتكب الجرائم في سجن أبي غريب، ويقتل مليون عراقي، ويحمي مجرمي الحرب الإسرائيليين، لايدافع عن الديمقراطية. يقول الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل: "مايشهده العالم العربي ليس ربيعا، بل سايكس بيكو جديد لتقسيم العالم العربي وتقاسم موارده ومواقعه".

لنتصفح ماكنت من الشهود عليه: كنت من أحد عشر عضوا متنوعين صاغوا قانون الإعلام الجديد. أول إنتاج في مسار الإصلاح. استضأنا بقوانين الإعلام الغربية، التي لاتحترم في بلادها فتمنع المعلومة عن شعبها في الأحداث السورية. استمعنا إلى ممثلي الأمم المتحدة، وإلى إعلاميين مصريين ولبنانيين. كانت جلساتنا صاخبة تصطدم فيها الآراء. لكننا اتفقنا على قانون يعتمد حق الوصول إلى المعلومة، ومنع سجن الإعلامي، ويشترط الشفافية والعلنية في تمويل الوسائل الإعلامية. ويمنع الترخيص لأية وسيلة إعلامية على أساس مذهبي أو إثني. واتفقنا على سحب العلاقة بالقنوات والصحف والإذاعات من وزارة الإعلام لتكون من عمل "مجلس وطني للإعلام" يجب إنشاؤه. وقد ولد المجلس في 20/11/2011 وهو من أشخاص متنوعين، ذوي خبرة إعلامية، يُجمعون على أن يكون الإعلام وطنيا معبرا عن أطياف الشعب السوري. ويُجمعون على حماية حرية التعبير تحت سقف الوطن. وقد نظم المجلس لقاءات بشخصيات إعلامية متنوعة عرضت تجربتها ونقدها الحاد للواقع الإعلامي والسياسي، وعرضت رؤيتها واقتراحاتها. وسجل المجلس ذلك ليستضيء بتلك الخبرة في صياغة السياسة الإعلامية. في البناء الذي كنا نجتمع فيه كانت تجتمع أيضا لجنة صياغة الدستور الجديد المؤلفة من مختصين وسياسيين يمثلون الأحزاب السورية وشخصيات. وقد غُيرت في الدستور البنود التي كان يُظن أنها لن تمس. وسينشر نص الدستور ويعرض للاستفتاء عليه. خلال هذه الأشهر العاصفة، نشر قانون الأحزاب الذي يحرّم تأسيس حزب على أساس ديني أو مذهبي أو إثني، ويشترط شفافية التمويل. وولدت أربعة أحزاب جديدة. وصدر قانون الانتخابات. تؤسس هذه القوانين لحياة سياسية جديدة. فهل نستطيع أن نتجاهلها؟

لانستطيع أن نتجاهل، أيضا، حدثا كبيرا جديدا في حياة سورية، هو اللقاء الاستشاري الذي ضم مئتي شخصية سورية مثلت اتجاهات سياسية وفكرية متنوعة، وأداره نائب رئيس الجمهورية. شاركتُ فيه ككاتبة مستقلة. وسمعنا فيه مداخلات لاأعتقد أن مؤسسة سياسية عربية حاكمة تتحملها. فبعضها لم يطلب فقط إلغاء فقرة في الدستور تتعلق بحكم حزب البعث، بل طلب إلغاء الحزب نفسه. وتجاهل المؤسسات الصحية والاقتصادية والتعليمية التي تنعم بها سورية، والسياسة الخارجية الوطنية. وتجاهل العصابات المسلحة. مع أن أي سياسي موضوعي لايستطيع أن ينكر أن حزب البعث هو العمود الفقري في الحياة السياسية السورية الآن، ويسبب إلغاؤه أو تفكيكه فوضى تشبه ماحدث في الاتحاد السوفييتي بعد سقوطه. لاينفي هذا أن تنظيفه من الانتهازيين والفاسدين ضرورة وطنية. وينطبق ذلك أيضا على الأحزاب الأخرى.
في هذا السياق عقدت في الأشهر الماضية اجتماعات بحثت الأحداث في سورية. منها اجتماع حضرة أربعمئة شخص تقريبا من خريجي روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة. تحدث فيه كثيرون بتطرف وقسوة. وتحدثتُ فيه عن الليبيرالية الاقتصادية التي خلقت شريحة فقيرة استغلها التدخل الخارجي. وانتقدتُ الأحزاب السياسة التي انعزلت عن الناس فتركتهم لأئمة الجوامع. وطلبت محاكمة وزير السياحة ومحافظ حمص، وإبعاد رئيس اتحاد الكتاب. مع ذلك عدنا إلى بيوتنا آمنين. أضيف أنني تحدثت في مؤتمرات الكتاب ناقدة أسلوب إدارة البلاد، وشخصيات تلك الإدارة، والفساد. وكان عدد من تحدث مثلي في مؤتمر الكتاب الأخير، قبل الأحداث، سبعة عشر كاتبا انتقدوا المؤسسات السياسية دون تحفظ. إلى ذلك، قاومنا استملاك محافظة دمشق شارع الملك فيصل لهدمه، وأوقفنا المشروع، وأوقفنا هدم حي عربي قديم في وسط المدينة الحديثة يعرفه الفرنسيون ويدرسونه. نقاوم العقاريين وفساد البلديات، والتسرب الصهيوني بالجوائز إلى النخبة الثقافية السورية. هذا يبيّن أن الصراع معقد، لايتصل باتجاهات سياسية فقط، بل بمصالح مجموعات وأهواء أفراد. لذلك نركز على ضرورة اعتماد الكفاءة والولاء الوطني، لاالولاء الحزبي. فالأحزاب أيضا، لاحزب البعث فقط، تقدم الولاء الحزبي. ونردد المثل: "مامات حق وراءه مُطالب". أظن أن الديمقراطية تشيد حجرا، حجرا، ولاتستورد.
فماذا يفعل مشروع "الديمقراطية" الغربي الخليجي اليوم؟ يضيف إلى همومنا عصاباته المسلحة، وحربه الإعلامية! لايصغي إلى ملايين السوريين الذين يصرخون: لاللتدخل. بل تبدأ "ديمقراطيته" من: إما معنا أو ضدنا. لأننا نرفض التدخل الخارجي، ونؤمن بأن الأطياف كلها يجب أن تشارك في الحياة العامة لتصوّبها وتصلح الحياة السورية. تَتهم المعارضة الخارجية، كالعصابات المسلحة تماما، من ليس معها بأنه عميل النظام.

مهما كان رأي تلك "الديمقراطية" في السوريين الذين يرفضون التدخل الأجنبي والعربي، نقول بصراحة إن المجالس التي تؤسس في حضن غربي استعماري ومال قطري، معزولة عن الشعب السوري. أكاد لاأصدق أن مثقفا كرئيس مجلس استنبول لايعرف أن الممر "الإنساني" يعني التدخل العسكري! ولايعرف أن مجلس الأمن حاصر العراق، لكنه لم يحرر لبنان ولم يستخدم البند السابع لمنع إسرائيل من قتل الشعب الفلسطيني! ولايعرف أن "المفاوضات" لم توصل الفلسطينيين إلى تحرير شبر من وطنهم، ولن توصل أبدا إلى تحرير الجولان! فلتسمح لنا "الديمقراطية" بأن نرفض تلك المواقف، ونردد مع الشعب السوري: إن مايحدث في سورية ليس ثورة، بل جرائم وفوضى وتقطيع أوصال وطن آمن. وإن التغيير في سورية مرفوض بالتدخل الخارجي، ومقبول بانتخابات واحترام أصوات الأكثرية. وإن الهجوم على السفارات السورية ليس عملا سياسيا، بل عمل زعران وعصابات. وأكرر ماقلته في ندوة تلفزيونية: تغيّر الدساتير لتلائم حركة المجتمعات، لكنها تغيّر باحترام لأنها جزء من ذاكرة الشعب. فالتغيير السويّ لايؤسس على احتقار التاريخ، والانحناء للإرادات السياسية الخارجية.

على كل حال، ليست الغيرة على الديمقراطية سبب اندفاع أمراء النفط والسياسيين الغربيين الاستعماريين إلى تنظيم العصابات المسلحة، واستئجار الواجهة السورية المغتربة، وشراء قرارات الجامعة العربية. فهذه الديمقراطية ورق ملون غشاش يغلف مشروع تغيير خريطة المنطقة بالقوة، واقتلاع الصخرة السورية من جدار المقاومة العربية. تخفي هذه العروض الدامية الستراتيجية الغربية الصهيونية، وتستر جرائم العصابات المسلحة. وقد عرضت لنا جلسة مجلس الأمن عن الملف السوري ممثلي الخيانة العظمى، ومقابلها الكرامة السورية التي جسدها بشار الجعفري بثقافته وصدقه ووجعه.
الخلاف الحقيقي هو على حقنا في السيادة الوطنية ورفضنا الاحتلال الإسرائيلي. الحق المتصل بتقاليدنا الوطنية وتاريخنا السوري، التي ورثناها من شكري العسلي مندوب دمشق في المجلس النيابي التركي الذي كشف في سنة 1911 تسلل الصهيونية إلى فلسطين. وكان ذلك من أسباب إعدامه مع نخبة من مثقفي وسياسيي البورجوازية السورية. ومن المؤتمر السوري الذي أعلن في سنة 1920 استقلال سورية، ورفض الوطن الصهيوني. ومن الثورة السورية التي قدمت لفلسطين القسّام الذي نظم المقاومة فيها واستشهد سنة 1935. ومن انتفاضة سوريا وفلسطين، معا، ضد الاحتلال سنة 1936 والسوريين الذين تطوعوا لنجدة فلسطين، ومنهم سعيد العاص، المفكر الثوري، الذي استشهد هناك. فلسطين جزء من الوجدان السوري. لايوجد سوري من جيل الاستقلال لم يشارك في الدفاع عن فلسطين. يصعب أن نعد الشهداء السوريين في فلسطين. روى لي السيد دبجن خريج الميتم الإسلامي في حمص الذي أسسه أبو زوجي، أنه تطوع مع اثنين من زملائه في الميتم لرد العدوان الصهيوني في سنة 1948. كانوا وقتذاك فتيانا. ولم يعد من فلسطين ثالثهما. في سنة 1949 قال حسني الزعيم، وهو ديكتاتور مرهوب، إنه سيتصل بإسرائيل، فرد عليه الأمير عادل أرسلان وزير الخارجية: لن أعترف بإسرائيل ولن أقابل وزير خارجيتها ولن أسمح لأي موظف في وزارة الخارجية بلقائه. وكانت تلك الاتصالات من أسباب قتل الزعيم.

ذاكرة كل سوري معبأة بأسماء وصور لاتنسى من الصراع العربي الإسرائيلي. على أساس الوقائع الدامية، يؤمن السوريون بأن إسرائيل قاعدة عنصرية عسكرية لحراسة المشروع الاستعماري الغربي في المنطقة. تؤكد ذلك حروبها العدوانية وتوسعها. حجر الأساس في الموقف السوري من إسرائيل، مغروس في وجداننا. حياتنا نفسها مجدولة في الصراع العربي الإسرائيلي. وهاهو مصيرنا الفردي متصل بمصير سورية التي يراد اقتلاع موقعها في المقاومة العربية.
قدم بشار الجعفري، سفير سورية في الأمم المتحدة، كلمته في الجلسة عن ملف سورية ببيتين من شعر نزار قباني. وتلك إشارة عميقة إلى هذه الثوابت الراسخة في الوجدان السوري. فنزار قباني ابن البورجوازية الدمشقية المدلل، الذي عرف بغزله بالمرأة والحب، حمل كمواطن سوري هموم العروبة. وقال: "ماأجبن الشعر إن لم يركب الغضب". وغضبه كان على المهرولين الذين وقّعوا اتفاقيات مع إسرائيل، وعلى رجال النفط الفاسدين. لذلك شهد تشييعه على تقدير شعبي له. كان يراد أن يكون تشييعه رسميا. وكانت طائرة خاصة سورية أرسلها الرئيس السوري قد نقلت جثمانه من لندن إلى دمشق. فخطف الدمشقيون تابوته، وحملوه على الأكتاف في موكب شعبي لم تشهد دمشق مثله إلا يوم تشييع رجل الاستقلال فخري البارودي مؤلف الأناشيد التي تناقلتها الشعوب العربية. حمله الناس إلى الجامع الأموي، أهم أثر شيده الأمويون في دمشق، وصلّوا عليه، ثم حملوه على أكتافهم إلى المقبرة. قطعوا دمشق من شمالها إلى جنوبها مشيا، لأنه دمج ولاءه لمدينته بولائه للعروبة. وجسّد الروح السورية بوجعه على فلسطين ورفضه الصهيونية، وباحتقاره حكام النفط، واعتداده بحضارة سورية. التقط بشار الجعفري هذا الجوهر العميق. فذكر بيتين من شعر نزار: "دمشق ياكنز أحلامي ومروحتي، هل أشكو العروبةَ أم أشكو لك العربا". ولو كان ممثل قطر ورئيس الجامعة العربية مثقفين لعرفا أن بقية القصيدة تذكّرهما بأنهما يخونان فلسطين بخيانتهما سورية. يقول نزار قباني في تلك القصيدة: "سقوا فلسطين أحلاما ملونة، وأطعموها سخيف القول والخطبا، عاشوا على هامش الأحداث ماانتفضوا، للأرض منهوبة والعرض مغتصبا، وخلّفوا القدس فوق الوحل عارية، تبيح عزو نهديها لمن رغبا". مَن هؤلاء الذين بددوا المال ولم يسعفوا فلسطين؟ عدّهم نزار قباني: من اغتسل ببحار النفط، ومن ضاق بالخيش فارتدى القصبا، ومن شرب من دم الأحرار! وكان ممثلوهم يجلسون في مجلس الأمن مقابل الجعفري: قطري وتابعه، رئيس الجامعة العربية الذي يعمل ابنه في قطر!

مستحيل إذن أن نتصور دولة سورية مقطوعة العلاقة بتاريخها وذاكرتها! مستحيل، لأن الشعب يحمل الذاكرة في وجدانه، وليست صفحات الكتب التاريخية غير صداها. هنا نجد أمامنا التناقض بين ملايين السوريين المعتدّين بذاكرتهم وتاريخهم، وبين قلة من المثقفين كانوا غير معروفين حتى دق لهم الإعلام الغربي الطبول، وقدمهم كأنهم ممثلو سورية الشرعيين، وأنفقت قطر المال على ندواتهم وإقامتهم في الفنادق وتنقلهم. ولايفوت السوريين أنهم عرضوا الأعلام السورية في منتدياتهم، ثم غيروه فعرضوا العلم السوري القديم، مقلدين الليبيين الذين حملت لهم قطر آلاف الأعلام الملكية. لكن فات من يرفع العلم السوري القديم أنه علم مقاومة الاحتلال الفرنسي، علم السيادة الوطنية، علم السوريين الذين قاتلوا الصهيونية وإسرائيل. علمنا الذي لم يطوه غير الرئيس شكري القوتلي الذي تنازل لعبد الناصر عن كرسي الرئاسة السورية في سبيل الوحدة العربية.

هل يمكن اللقاء والحوار بين هذين الجانبين؟ شرط أي لقاء وحوار هو الموقف من إسرائيل والصهيونية، ومن التدخل الخارجي. في سورية معارضون أصيلون لم يتلوثوا بالمال القطري والسعودي، ولم يلمسوا رشوة غربية، ولم يتنازلوا عن السيادة الوطنية، ولايشك بعداوتهم الصهيونية وإسرائيل. يعلنون عداوتهم الفساد السياسي والمالي، ويطلبون نظافة ونقاء قد لايوجد في الدنيا. قد تكون لهم رؤى غير واقعية. لكنهم يتميزون بنضج سياسي وشجاعة. بقي سليم خير بك والدكتور فايز فواز أكثر من عشر سنوات في السجن. ومع ذلك لم يسقطوا في الحقد الذي يدفع إلى الانتقام ولو حطم الوطن. مثل هؤلاء المعارضين ضمانة للديمقراطية والنزاهة، مثلهم يحرس السيادة الوطنية ويحمي المجتمع من الفساد. كيلا تتكرر الأخطاء التي جعلت فاسدا مثل محافظ حمص يخون بلده ويستر حفر الأنفاق التي تتسع لمنصات صواريخ، فشارك عمليا في تحضير العصيان.

الموقف من إسرائيل والصهيونية والتدخل الغربي شرط الحوار الوطني في رأي السوريين. لذلك أعلن السياسي قدري جميل: لن نشارك في حوار يشارك فيه مجلس استنبول. بهذا المعيار يرفض السوريون من التقى بالتلفزيون الإسرائيلي، ومن طلب مساعدة الصهيوني ليفي ليعمل في سورية مااقترفه في لليبيا، ومن يشرفه اللقاء بكلينتون وساركوزي وجوبيه. هذه ليست مسألة سياسية فقط. بل مسألة وجدانية وأخلاقية. فالسوريون يعتدون بأنهم قلب العروبة النابض.
أخيرا، يحق للسوريين بعد الفرجة على جلسة مجلس الأمن التي بحثت الملف السوري، أن يعتدوا بأنهم أكثر إنسانية وثقافة وديمقراطية من رجال الغرب الاستعماري الذين سفكوا الدم الليبي والعراقي واللبناني. يحق لهم أن يستصغروا سياسييه الكاذبين الذين ادعوا أمس أن العراق يملك سلاح الدمار الشامل، ويدعون اليوم أن الجيش السوري يقتل المدنيين، مع أن العشرات من شهداء الجيش يشيعون كل يوم. وعندما يقارنون بشار الأسد بالرؤساء الغربيين الذين يخفون بالكذب أهداف حروبهم على الشعوب، يرون الفرق شاسعا. ويسخرون من "الديمقراطية" الغربية التي لم يتحمل فيها ساركوزي احتجاج شباب الضواحي فطاردهم. و"ديمقراطية" اوباما التي لاتتحمل المحتجين المسالمين على الجشع الرأسمالي. لكنها تطلب من السوريين أن يتحملوا جرائم العصابات المسلحة!

رأى السوريون وهم يتابعون جلسة مجلس الأمن قامات شامخة، وأقزاما. رأوا شخصيات الغرب التي تكذب دون خجل، ولعلها لم تقرأ فاوست غوتيه الذي ذكره بشار الجعفري. ومقابلها الكرامة الوطنية السورية، والشخصيات التي سندتها بالفيتو الروسي والفيتو الصيني، وكشفت أن الغرب الاستعماري لم يعد حرا في فرض "ديمقراطيته" الدامية.

د. ناديا خوست
06.02.2012

كل اصدارات هذا المقال:
- Le terrorisme au nom de la « démocratie »