سيلفيا كاتوري

Français    English    Italiano    Español    Deutsch    عربي    русский    Português

سوريا : شهادة كاتبة سورية حول ما يحدث في بلادها

ماذا يحدث في سورية

د. ناديا خوست

عرض موزعو المازوت في حلب مأساتهم لوفد من مراقبي الجامعة العربية. قال أحدهم: "نحن فقراء كادحون. تقطع العصابات المسلحة علينا الطريق، تسرق المازوت، تدمر سياراتنا أو تسرقها، وتقتل بعضنا. هكذا انقطع رزق هؤلاء الفقراء، وانقطع المازوت عن حلب.

17 كانون الثاني (يناير) 2012


تسمع وفود المراقبين شهادات جرحى اعتداءات العصابات المسلحة، ووجع الأطفال الذيخطفت العصابات آباءهم وقتلتهم، وترى إصابات القتلى. توثَّق الشهادات بهويات أصحابها وكلامهم وأمكنة الأحداث وزمنها. ويسجل مراسلو التلفزيون السوري تلك الشهادات من بُعد، ويكتشف المواطنون السوريون المآسي والفظائع التي تحدث في وطنهم ولم يعرفوا مثلها في تاريخهم المعاصر: تقطيع أعضاء القتلى، انتزاع قلوبهم، حرقهم، تعذيبهم. في 8/1/2012 نظمت مجموعة من أهل حمص وقفة مع الشموع تكريما للشهداء. فهاجمتهم العصابات المسلحة وقتلت بعضهم وجرحت آخرين. فرأينا بعد تلك الوقفة المضاءة بالشموع، حزنهم ووجعهم. وفي 10/1/2012 قتلت العصابات المسلحة في حمص مهندسا وجرحت زميله وخطفت مدرّسا. ومنعت التدريس في المدارس، وبلغ عدد المدارس التي دمرتها ألف مدرسة تقريبا.

إذن، ليست المشكلة في سورية الآن كما يقدمها الإعلام الغربي: خلافا بين معارضة سياسية تطلب الإصلاح ودولة ترفض الإصلاح. المشكلة أن عصابات مسلحة ومجموعات من المجرمين والغوغاء تهاجم مجتمعا تعوّد الأمان طوال العقود الماضية. قالت إحدى الممرضات لمجموعة المراقبين: "كنا نعود إلى بيوتنا في الساعة الواحدة ليلا آمنين، الآن لانجسر على الخروج في الليل إلى الطريق". عبّرت عن واقع جديد. فمن أهداف قتل أفراد الشرطة والجيش نشر الفوضى، التي نفذ بوش مثلها في العراق، إلغاء الدولة وسيطرة العصابات. يتبنى الغرب هذا المشروع. فعندما أعلنت الحكومة السورية عفوا عاما عن كل من يسلم سلاحه، أعلنت كلينتون للمسلحين: لاتسلّموا سلاحكم!

من يريد معرفة الحقيقة مخلصا، يتبيّن أن الأنذال والقتلة المجرمين يُستخدمون لنشر الذعر، وينفذون مخططا سياسيا لتقسيم سورية، وكسر هيبة الدولة. لإلغاء موقع سورية الذي يقاوم المشروع الإسرائيلي. لنتذكر أن من قرارات المنظمة الصهيونية العالمية: "يجب أن يكون تقسيم كل من العراق وسورية إلى مناطق منفصلة على أساس عرقي أو ديني، أحد الأهداف الأساسية لإسرائيل. والخطوة الاولى لتحقيق هذا الهدف هي تحطيم القدرة العسكرية لهذين البلدين". وهذا ماأنجز في العراق، فأول قرارات بريمر كان إلغاء الجيش العراقي. وفي سورية يستهدف رصاص العصابات الجيش السوري. قتل حتى الآن ألفا ضابط وجندي. ويدعو الإعلام الغربي والعربي العدو إلى انشقاق الجيش السوري. وقد نشرت الصحافة السورية السورية شهادات ضباط سوريين اختطفتهم العصابات المسلحة وعذبتهم كي يقدموا شهادة تلفزيونية لمحطة الجزيرة تدعي أنهم منشقون.

تستخدم أكثر الوسائل نذالة للتنكيل بالشعب السوري. مثلا تأمر العصابات المسلحة أصحاب المخازن في حرستا أو داريا في ريف دمشق أن يغلقوا مخازنهم لينفذوا ماتسميه "إضرابا شاملا". من لايغلق مخزنه يقتل أو يخطف أولاده ويقتلون. في درعا قتل رجل وجرحت زوجته لأنه رفض ذلك. أخبرني صاحب مخزن في حمص أنه يتلقى عشرات الأوامر بالتلفون كي يغلق مخزنه. قال: أضطر إلى إغلاقه. بعد ذلك يصوّر المختصون في الإعلام في العصابات المسلحة المحازن المغلقة ويرسلون أفلامهم إلى الجزيرة لتعلن أن الشعب السوري لبى نداء الإضراب الشامل. أو أن المدن صارت مدن أشباح خوفا من الأمن السوري. بالأسلوب نفسه قتل ثلاثة شباب إخوة ليتّهم الأمن السوري بأنه قتلهم، وليثير نفور الناس من الجيش. ويذهل السوريين أن المجرمين الذين يعترفون بتلك الجرائم يروونها كأنهم يروون قصة عادية، ويعترفون ببساطة أنهم قبضوا ثمن قتل رجل في مظاهرة ليتّهم الإعلام الخارجي الأمن بأنه هاجم المتظاهرين. هذه النذالة والوحشية تناقض كل ماعاش عليه السوريون من تقاليد أوصتهم بالرحمة والتسامح وحب الجار والتضامن.

لذلك لم تعد المسألة خلافا سياسيا، بل أصبحت للشعب السوري مسألة وجود. يفسر هذا المظاهرات العفوية في دمشق ليلة إعلان مجلس الجامعة العربية تجميد عضوية سورية فيه. والمظاهرات العفوية في سورية كلها بعد التفجير الكبير في كفرسوسة. يفهم من يعرف التاريخ السوري أن الشعب السوري هو الآن من ينقذ وطنه، وأن صوته أعلى من صوت السياسيين. وتعبر النساء خاصة، محجبات وسافرات، والشباب والشيوخ والأطفال، بحماسة عن رفض التدخل بكل أشكاله، ويدينون دور قطر، وينتقدون الجامعة العربية، ويطال هجومهم ساركوزي وكلينتون واوباما.

الآن، نحن أمام شعب سوري ذي وعي سياسي رفيع، يدرك أنه يواجه مؤامرة استعمارية أمريكية صهيونية تعلن حربا ديبلوماسية وعسكرية واقتصادية وإعلامية عليه. تشارك فيها تركيا، وبلاد الخليج تتقدمها قطر، وتقودها فرنسا. وتستخدم فيها عسكريا منظمات القاعدة، وسياسيا بعض السوريين في الخارج. انتقد الشعب السوري النهج الاقتصادي والفساد والمسؤولين الذين مارسوا الوصاية عليه، لكنه بوعيه الرفيع يدرك أن الغرب لايتدخل لينشر الديمقراطية والإصلاح، بل لاقتلاع الموقع السوري المعادي للمشاريع الغربية والصهيونية. يقف هذا الشعب الرائع كالرمح في المعركة الرئيسية. ويبدع أساليب جديدة في الرد على مشروع التقسيم على أساس ديني وإثني: اجتماع العشائر الكردية والعربية في مؤتمر وطني يرفض التدخل الغربي، وصلوات في الكنائس يشترك فيها رجال الدين الإسلامي. ووفود نسائية سورية تزور المطران الماروني في لبنان وتؤكد الدفاع عن مسيحيي الشرق.

لانجهل أن سبلا أخرى طويلة المدى تستخدم لكسر إرادة السوريين وعنفوانهم وإذلال كرامتهم الوطنية. منها العقوبات الاقتصادية. فالعصابات تقطع الطريق على صهاريج المازوت، وتفجر أنابيب الغاز التي تغذي المحطات الكهربائية، وتفجر أنابيب النفط، وتحرق المؤسسات العامة، وتسطو على ناقلات التموين التي تنقل السكر والرز للمحافظات السورية، وتنسف الجسور والسكك الحديدية، وتحرق مراكز البلديات ومراكز الشرطة. لتجعل حياة السوريين اليومية قاسية. تنقطع الكهرباء بساعات تقنين، ويعاني الفقراء والطبقة الوسطى خاصة من الغلاء. لكن هذه المعاناة لاتقرّب من يحمل المشروع الغربي الاستعماري، بل تجعل السوريين يتهمون كل من يطلب فرض الحصار على سورية، بأنه عميل يشارك في سفك الدم السوري وكسر حياة السوريين الآمنة.

مايحدث الآن في سورية بالقتل واغتيال الأساتذة الجامعيين والمهندسين، وخطف الأطفال، واغتصاب النساء، يهدف إلى كسر الحياة اليومية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. مثلا، أوقفت جرائم العصابات المسلحة النشاط الثقافي، فأقفرت المراكز الثقافية الموجودة حتى في قرى سورية النائية. وتوقف عرض الفن التشكيلي في صالات العرض الخاصة والعامة. في سورية بطاقات المتاحف وبطاقات المسرح والحفلات الموسيقية بأسعار رمزية، ولكن أي سوري يسمح لنفسه بحضور احتفال والمآتم في أنحاء سورية قائمة، والكنائس امتنعت عن الاحتفال بعيد الميلاد ورأس السنة؟ أنزلت العصابات المسلحة خسائر بالاقتصاد السوري، بحرق المؤسسات وتفجير أنابيب النفط والغاز. قطع المسلحون الذين يهاجمون الطريق الدولي بين دمشق وحلب الحركة الاقتصادية والصلات الاجتماعية. أحرق معمل في حلب مرتين فمات أحد صاحبيه من الغم. هكذا تكسر حياة المواطنين، وتصبح الأحاديث في البيوت عن الأحداث فقط، وتبتعد الموضوعات الثقافية.

لذلك يطلب الناس اليوم حماية الجيش. لكن الجامعة العربية اشترطت سحب الجيش من المدن. والمعروف أن عناصر حفظ النظام لايستطيعون بأسلحتهم البسيطة مواجهة العصابات المسلحة. وكان الجيش قد نزل لهذا السبب. فسورية التي اعتمدت أن إسرائيل هي الخطر لاالشعب السوري، لم تدجّج الشرطة بالسلاح، بل قوّت الجيش. بعد انسحابه سرحت العصابات على هواها، لذلك صرخت أم الطفل ساري سعّود، الذي قتلته العصابات المسلحة في حمص: لو كان الجيش موجودا لما قتل ابني. في غياب الجيش تتنقل الآن مجموعة مسلحة في ضواحي دمشق من ضاحية المعضمية إلى ضاحية دمر الحديثة إلى ضاحية قدسيا، وتطلق الرصاص وقاذفات الصواريخ. فيعتكف الناس في بيوتهم قبل الليل. يحمي "المجتمع الدولي" تلك العصابات، ويدافع عنها الإعلام الغربي والقنوات الفضائية العربية العميلة له كالجزيرة والعربية.

طبعا لم تهبط هذه العصابات المسلحة فجأة من السماء. بل استنبتتها الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق الذي اعتمد في السنوات العشر الأخيرة، فأوجد شريحة هامشية. رعى الفاسدون الذين نهبوا القطاع العام اقتصاد السوق. وستر الفاسدون تهريب السلاح إلى سورية. تراكم الشعور بالغبن الاجتماعي والاقتصادي في الطبقة الفقيرة، وكان السياسيون معزولين فلم يساعدوها بالوعي والثقافة ليأخذ الغبن مجرى سليما. وتركوا تلك الشريحة، عمليا، لأئمة الجوامع الوهابيين المتخلفين فجندوهم في عصابات مسلحة، ورفدهم المهربون. واستند إلى هذا التدخل الخارجي.

قبل الأحداث الدامية، وقبل مايسمى الربيع العربي، ناقش الكتاب والعمال والفلاحون وغيرهم في مؤتمراتهم الوضع الاقتصادي والسياسي، وطلبوا الإصلاح. ولم نسمع وقتذاك صوت من يطلبون الآن قلب النظام. لكننا، نحن الذين طلبنا تغيير الواقع، نفهم أن الغرب الاستعماري لايريد الإصلاح في سورية، بل يريد اقتلاع الموقع الوطني السوري، لذلك نقدم الدفاع عن الوطن على أي أمر آخر. ونلاحظ أن الشعب السوري لايقبل وصاية أحد عليه. ويعبّر بصفاء ووضوح عن رفضه الوصاية الغربية والعربية عليه. وكلما ردد ساركوزي وكلينتون: يجب أن يتنحى الأسد، رد الشعب السوري في غضب: نحن من نختار رئيس الجمهورية لاأنتم!
هكذا يلاحظ انتقال نوعي كبير بين وضع الشعب السوري، الذي كان يسلّم قدره للأحزاب السياسية قبل الأحداث، والشعب السوري الذي يملأ الآن الساحات معبرا عن إرادته، مستعيدا صوته ولغته، مخاطبا الغرب الاستعماري باختصار: "حلّوا عنا"! يلاحظ أن الشعب السوري الذي ينزل إلى الساحات العامة، دون أوامر أو توجيه حزبي، يمارس الانخراط في الحياة السياسية في أيام حاسمة، ويردّ بتلاحم أطيافه على مشروع التقسيم. تتقدم إلى كاميرا التلفزيون أية امرأة كانت سابقا محبوسة في البيت أو في المكتب، لتقول رأيها بجرأة في الأحداث المحلية والعالمية.

وسط هذه العاصفة يدين السوريون الطائفية، ومشروع التقسيم الذي يهدف إلى تطهير البلاد من المسيحيين. وعت الكنائس هذا الخطر، وتقدم المسيحيون الدفاع عن سورية. لم يعرف الشعب السوري سابقا التمييز بين مسلم ومسيحي. ويصعب على أي منا أن يصنّف أصدقاءه على أساس أديانهم وقومياتهم، فسورية بلد حضارة عريقة لوّنها التاريخ الطويل بالقوميات والمذاهب. لذلك نلاحظ أشكالا مؤثرة من الرد الحضاري على مشروع التفكيك الاستعماري، فرجال الدين المسلمون والمسيحيون يلتقون في الكنائس والقاعات ويقيمون صلاة مشتركة فيبدأ رجل الدين المسلم بقراءة مقطع من الصلاة المسيحية، ويكمل رجل الدين المسيحي الصلاة بقراءة مقطع من آية قرآنية. وقد كرروا ذلك يوم 9/1/ 2012 في فندق ديدمان خلال لقاء بالصحفيين الاوروبيين الذين يزورون سوريا. وفي الوقت نفسه أقيمت صلاة في كنيسة الصليب في دمشق على أرواح الشهداء شارك فيها مفتي الجمهورية والمطارنة. من يتابع مشروع "تطهير" المنطقة من المسيحيين يقدر هذه الإشارة البليغة.

ماالعمل؟ سورية التي تحتفل بأعياد المسلمين والمسيحيين، سورية التي أرسلت جيشها وقت الحرب الأهلية اللبنانية لتحمي المسيحيين، وضحّت بعشرة آلاف جندي وضابط دفاعا عن لبنان خلال الاجتياح الإسرائيلي، سورية التي احتضنت مليون ونصف عراقي بعد غزو العراق، تعاني الآن من غوغاء مسلحة، ومن غوغاء سياسية خارجية. تعاني من انحطاط غابت فيه من اوروبا شخصيات كبيرة مثل ديغول. تعاني من حرب إعلامية وديبلوماسية واقتصادية، ومن تهريب السلاح المتطور إلى العصابات التي تتسلل من تركيا ولبنان. تعلّم الشعب السوري من التاريخ الصبر على المحن. وهو مؤمن بانتصاره على الغوغاء والمشروع الغربي الصهيوني. لكن الدفاع عن الشعب السوري هو، بالمقدار نفسه، دفاع عن النبل والكرامة الإنسانية، وعن العقل الإنساني الذي يستهين به الإعلام العالمي. واجب أحرار العالم وعقلائه أن يسندوا الشعب السوري بكشف الجرائم التي يحميها الغرب الاستعماري بإعلامه وسياسته.

*ناديا خوست، عضوة في اتحاد الكتاب