إسرائيل شامير: لا يهم ما يقال، فالناس لا يصغون في النهاية إلا لما يريدون الإصغاء إليه! كل كتبي تظهر بوضوح ألا وجود ل"المكيدة" و لا "للمؤامرة"، و لكن هنالك سياسات تعمل لصالح اليهود، و ثمة مصالح تبدو أكبر حجما من المتآمرين أنفسهم، فلا يمكن القول أن الارستقراطية تتآمر، بل هي تكتفي بحصولها على ما نسميه بالمصالح المشتركة.و الحقيقة هي المصلحة الرئيسية لهذه المجموعة. لهذا من الصعب تحديدها بعبارة مؤامرة.
أنا أتوجه إلى الجميع و ليس إلى أصدقائي المقربين. لأني أريد أن يكون لي تأثير على أشخاص من توجهات مختلفة و بالتالي طرح عليهم وجهة نظري و محاولة إقناعهم بها. لا أرى أي سبب في مقاطعة جريدة أو مجلة. لقد كتبت في جريدة هاآرتس و هي جريدة إسرائيلية مهمة مع أنها نشرت مقالات بقلم متطرفين إسرائيليين نازيين. وكتبت لجريدة "نيويورك تايمز" بالرغم من أن الجريدة ساندت الحرب على العراق، لهذا لم يكن ممكنا رفض أي مسار إعلامي لأجل كتابة رأيي و عرضه.
حين تكتبون عن موقف اليسار- اليمين المتروك على حدا، و أنه يجب تضافر كل جهود القوى الممكنة لأجل الوقوف في وجه العدو المشترك ( أي الولايات المتحدة و إسرائيل)، ألا تخشون من عدم تكافؤ موازين القوى؟
لست خائفا من التواصل، لا مع اليسار و لا مع اليمين، لأننا نملك أشياء مشتركة. اليسار/ اليمين، عبارة عن تصور لمعارضة خطية أفقية، لكن عالمنا له ثلاثة أبعاد. بهذا نعتقد أن العناصر المبعدة يمكنها أن تلعب دورا في مجال آخر. العالم ليس أحادي الأبعاد. إن أنتم درستم الهندسة، يمكنكم فهم ما أعنيه. علينا أن نضع في الحسبان تمركز اليمين/ اليسار حين يجب معرفة من هم الأصدقاء من الأعداء، فهو أمر له بعده في العلاقة بين السماء و الأرض، على الصعيد المسلم به إزاء لعلاقات بين الولايات المتحدة و إسرائيل، و إزاء العولمة و إزاء جذورنا. أنا أنتمي إلى اليسار، و أعني به اليسار المناهض للامبريالية. شخص يميني مناهض للعولمة أقرب من نفسي من شخص يساري متعصب.
الصهيونية مشكلة لا تمس فلسطين فقط ، بل تتجلى حتى في خضوع الولايات المتحدة، و في تأثير الأصوات الصهيونية على وسائل الإعلام الفرنسية مثلا. والقائمة التي سميت "أوروبا-فلسطين" بفرنسا، فشلت لأنها أرادت أن تتمحور وتنغلق في إطار ضيق جدا هو المسألة الفلسطينية، و إن كانت تلك القائمة قد طلبت بإزالة الصهيونية عن فرنسا فهذا سيورطها عبر مقاطعة مع الحلف الأطلسي و الولايات المتحدة، و لو كان ممثلو تلك القائمة قد طالبوا بالإطاحة الكاملة بالمشروع الصهيوني، لكانوا حصلوا على أصوات كثيرة.
أنا لا أدري أي شيء فيما يخص كل هذا النفي للمحرقة. لا أستطيع أن أفهم لماذا يغضب الفرنسيون حين يتطرقون إلى الحرب العالمية الثانية، التي انتهت منذ زمن طويل. و لكن، وبما أنكم تطرحون السؤال، فسأجيبكم. أنا أعارض الخطاب الدائر حول مسألة المحرقة، و ليس على الوقائع في حد ذاتها. فالوقائع دائما يتم حشرها دائما في الخطاب السياسي. والخطاب الذي يتمحور حول المحرقة مرتبط بالحياة و الموت بالنسبة لليهودي و بالنسبة لي، المحرقة ليست أفظع من بقية جرائم الحرب المرتكبة: هيروشيما، دريسد، لنينغراد الجائعة. إنها جزء من الأشياء المرعبة التي وقعت بين عامي 1939 و 1945, أنا أرفض التسويق الديني و التاريخي لعبارة "المحرقة". بالنسبة لي، أنا أؤمن بالطرح الأيديولوجي الذي يدخل في سياق خطابات سياسية تنافسية أكثر إنصافا فيما يخص الحرب.
بالطبع، عدونا يتسرب من تيار اليمين و اليسار على حد سواء كما نلحظ. التسرب عبارة عن لعبة سياسية، عبارة عن تكتيك كلاسيكي. الماويون اليوم يتنفذون في دواليب الاشتراكية الديمقراطية، وهذا ما يفسر النجاح الذي نشهده اليوم لهذا التيار. كما نجح التيار الديني اليهودي المتطرف و هي عبارة عن تشكيلة سياسية متطرفة في التسرب إلى الليكود، إلى درجة أن شارون فقد أغلبيته. أما التنفذ على مستوى اليسار، فهو واضح وشامل. أما على مستوى اليمين، فكما قلت: التنفذ حاصل به منذ القدم.
يجب القول أن منظمة العفو الدولية ما هي إلا أداة إيديولوجية بين أيدي أعدائنا. إن نظرتم إلى قائمة السجناء السياسيين، فلن تجدوا أي سجين سياسي معتقل في السجون الإسرائيلية. ستجدون في موقعي عبر الانترنت مقالات حول هذا الموضوع تحت عنوان" تسقط حقوق الإنسان"و الذين رفضوا الاعتراف أن "فعنونو" سجين سياسي، و معارض ذو ضمير! إنهم يعملون ما تمليه عليهم الولايات المتحدة و إسرائيل. يوجد تأثير رهيب عليهم إلى درجة لا نعرف ما العمل إزاء ذلك. كتب "فرانسيس بويل" و هو الشخصية القانونية الصديقة لفلسطين، كتب في هذا الموضوع. و الحال أن معه هو يجب علينا التطرق إلى هذه الإشكالية التي تخص منظمة العفو الدولية.
لا تريد حركة حماس قتل " كل اليهود"، بل ما يقال ما هو إلا ابتكار جاء من العدو! لم أقرأ أبدا و لا قابلت أحد كتب أو فكر بذلك الشكل. و لكن يجب القول أن أحيانا تسبق الأقوال أفكار كل واحد منا. كتب فولتير أن الإنسانية لن تسعد إلا بعد أن يتم إعدام آخر ملك مع أخاديد آخر قس. هل علينا أن نخاف من فولتير ؟ قتل كل القساوسة ليس أقل من قتل كل اليهود! لم يرد فولتير قتل الجميع: الناس يبالغون لأجل لفت الانتباه إليهم. لا تأخذوا كل ما يقال مأخذ الجد!
لا أقول لا. لكن من الضروري في فرنسا مقاطعة الأشخاص الذين يساندون إسرائيل. من المهم محاربة الأشخاص الذين يهيمنون على السياسة و الإعلام، أمثال "آلان فينكيلكروت"، "روجيه كوكيرمان"، أو " ألكسندر ألدر". إنها من أولى الأولويات هنا في فرنسا. لأنهم يشكلون الدعم المهم لإسرائيل، يهيمنون على الرأي العام، و على الخيارات السياسية لحكوماتكم، إن لم تبعدوا هذا النوع من "المبشرين" الذين يجعلون كل ما تقومون به غير مجدي. في إفريقيا الجنوبية، كانت المقاطعة مجدية، لأن نظام جنوب إفريقيا لم يكن له الدعم في الخارج! في كل دولة في العالم، النضال يتم داخل الدولة ذاتها وليس خارجها. " آلان فينكيلكروت " و " ألكسندر ألدر "، و "برنارد كوشنيه" و "برنارد هنري ليفي" يسعون إلى إخضاع فرنسا للولايات المتحدة، وتجسيد تبعيتها لهذه الأخيرة.
يجب أن تعلموا أن داخل الحركات التضامنية، يوجد مشكلة حقيقية. يوجد أشخاص يسيطرون و يمنعون المناصرين بشكل إرادي، إذ يحولون انتباههم و جدالهم نحو نقاشات غير مجدية، لأجل إضعاف الحركات التي تريد محاربة إسرائيل.
الذهاب إلى فلسطين شيء مهم بالنسبة للشباب لأن هذا سيسمح لهم برؤية الأشخاص الشجعان، و اكتشاف الحقيقة التي لا يعرفونها، و بالتالي سيسمح لهم بالحديث أثناء عودتهم بلا خوف. هذا ما سيساعد الشباب الأجنبي لكسر المحظورات، و لكن هذا لا يكفي لتحقيق السلام. بالفعل، يجب أن تحمل المعركة النضالية إلى مكان يتواجد فيه كل واحد. و يجب أن يكون ثمة وعي إزاء الوصلات بين كل ظاهرة و ظاهرة.
كل سلاح في يد جندي يوجه نحو العدو، و أنا بمثابة سلاح. ولا يأبه الحسام بالجندي، إنه موجود ليعطي فعالية أكبر لذراع الجندي كي يصوب نيرانه نحو العدو. الفلسطينيون قادرون على غرس أشجار الزيتون. ليسوا بحاجة إلى مساعدتي. قطعا سيكون الأمر جيدا بالنسبة لي و لضميري أن أساعدهم، لكنهم يحتاجون إلى السلاح أكثر للمحاربة. و أنا سلاح في أيدي الفلسطينيين.
" الصهاينة المخضرمون" و غيرهم ليسوا أعدائي. حسب رأيي أنا فهؤلاء الأشخاص مضيعة للوقت. يريدون ضميرا مرتاحا بممارسة الأعمال الخيرية. أنا أريد الفوز. أريد التغلب على التمييز العنصري، و الحصول على العدل في الأرض المقدسة و إظهار الطريق التي تسمح للناس بالذهاب نحو الاتجاه الصحيح.
نحن لا نقول نفس الكلام. هم ينتقدون السياسة الإسرائيلية، لكنهم يبررون وجود دولة إسرائيل وفق ما أوجدت عليه. يؤكدون أن يهود العالم بأسره لهم حق العودة إلى إسرائيل في الوقت الذي يرفضون فيه الاتفاقيات التي تبيح للفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم. إنها الجريمة العنصرية بأتم معنى الكلمة!
في فرنسا، حصل اليهود على مساواة الحقوق بعد حوالي العقدين من الزمن! في ذلك الوقت كان الأمير يبدو طوباويا! والقول أن " هزيمة إسرائيل شيئا طوباويا" فهذا كلام لا يخلو من عنصرية!
ما يهم هو النظر بشكل واضح و أن يعلم كل واحد منا ماذا يريد. في بريطانيا، إلى غاية عام 1920 قيدت الدول من قبل أشخاص تعلموا في مدرسة واحدة: إيوتون. كم من شخص درس في إيتون؟ ربما أقل من ألف، و لكنهم نجحوا في ضمان النصر الكامل لبريطانيا.
تفسيري أورده كما يلي: النخبة الفرنسية، كما كل النخب في أوروبا تؤمن بوجود لوبي يهودي قوي، وقناعتهم تلك هي التي تؤسس وجودهم. فمن المنطقي عندئذ أن يسعى أشخاص آخرون ينتمون إلى نخب أخرى أنتم أو أي شخص آخر إلى القول : " اليهود ليسوا في السلطة، و ليس صحيحا أنهم يقودون العالم".
فيما يخص فلسطين فأنا متشائم جدا. و لكني متفائل على المدى البعيد، لأني على ثقة أن الفلسطينيين سينتصرون. و لكن لا يمكن انتظار أشياء جيدة من نظام أبو مازن: كل تلك الخطوات الصغيرة تبدو لي خالية من المعنى: لا تؤدي إلى شيء.
بماذا تقترحون للذين يريدون التحرك لنصرة الحقوق الفلسطينية، دون أن يضيعوا في الأعمال العقيمة؟
في كل بلد، في كل مكان نوجد فيه، فعلينا طرد ممثلي أعدائنا مهما كانت مواقعهم فيجب منعهم من الهيمنة والإفادة من كل فرصة.
في سويسرا، أو في فرنسا، ممثلوهم هم أولئك الذين يساندون المكائد الأمريكية الإسرائيلية. شارون يساهم في جمع الناس. و الكلام عن شارون ( كلام سيئ..) فهذا أمر مقبول، لكن شيمون بيريز ليس أفضل من أرييل شارون. في بلدانكم، عليكم أن تساندوا فعليا كل الذين يقفون في وجه الهيمنة الأمريكية و في وجه إسرائيل و الليبرالية الجديدة. اعملوا كي تصبح أمريكا معزولة. و باعتقادي عليكم أن تقيموا علاقات مع دول الشرق الأوسط و مع روسيا. التي كانت إلى جانب الدول الشريفة و تبدو اليوم في مفترق الطرق. تعتبر روسيا دولة مهمة و يجب إقامة علاقات معها.
لهذا أنا هنا. نحن نشبه الفراشات نطير من زهرة إلى أخرى. الفكر ما زال نابضا و الناس ما زالوا أحياء! في روسيا يتم صناعة أسلحة جيدة لمحاربة العدو: بعض الكتب الجيدة التي تستحق النشر و الترجمة. ليس من قبل جيلنا، بل من قبل الجيل الذي سبقنا و الذي كان متأثرا بما حدث في روسيا. يجب أن نساند هذا المحرك و كل محركات الضمير التي تحتاج إلى المساندة فعلا. و من يدري، قد تستطيع هذه العوامل نقلنا نحو الأمام؟
Silvia Cattori